أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
71
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لأن إضافة اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال غير محضة فلا يعرف ، وإذا لم يتعرف فلا يكون نعتا لمعرفة لما عرفت فيما تقدم من اشتراط الموافقة تعريفا وتنكيرا ، وإما أن يجعل بدلا وهو ضعيف ، لأن البدل بالمشتقات نادر كما تقدم . والذي ينبغي أن يقال : إنه نعت على معنى أن تقييده بالزمان غير معتبر ، لأن الموصوف إذا عرف بوصف كان تقييده بزمان غير معتبر فكأن المعنى - واللّه أعلم - أنه متصف بمالك يوم الدين مطلقا من غير نظر إلى مضي ولا حال ولا استقبال ، وهذا ما مال إليه أبو القاسم الزمخشري . وإضافة مالك وملك إلى يَوْمِ الدِّينِ من باب الاتساع إذ متعلقهما غير اليوم والتقدير : مالك الأمر كله يوم الدين ، ونظير إضافة : مالِكِ إلى الظرف هنا نظير إضافة : « طباخ » إلى « ساعات » من قول الشاعر : 49 - ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعلّ * طبّاخ ساعات الكرى زاد الكسل « 1 » إلا أن المفعول في البيت مذكور وهو « زاد الكسل » وفي الآية الكريمة غير مذكور للدلالة عليه ، ويجوز أن يكون الكلام على ظاهره من غير تقدير حذف . ونسبة الملك والملك إلى الزمان في حق اللّه تعالى غير مشكلة ويؤيده ظاهر قراءة من قرأ : « ملك يوم الدين » فعلا ماضيا فإن ظاهرها كون « يوم » مفعولا به ، والإضافة على معنى اللام لأنها الأصل ، ومنهم من جعلها في هذا النحو على معنى « في » مستندا إلى ظاهر قوله تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 2 » قال : « المعنى مكر في الليل إذ الليل لا يوصف بالمكر إنما يوصف به العقلاء فالمكر واقع فيه » . والمشهور أن الإضافة : إما على معنى اللام وإما على معنى « من » وكونها بمعنى « في » غير صحيح . وأما قوله تعالى : مَكْرُ اللَّيْلِ فلا دلالة فيه لأن هذا من باب البلاغة ، وهو التجوز في أن جعل ليلهم ونهارهم ماكرين مبالغة في كثرة وقوعه منهم فيهما ، فهو نظير قولهم : نهاره صائم وليله قائم ، وقول الشاعر : 50 - أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة * واللّيل في قعر منحوت من السّاج « 3 » لما كانت هذه الأشياء يكثر وقوعها في هذه الظروف وصفوها بها مبالغة في ذلك ، وهو مذهب حسن مشهور في كلامهم . واليوم لغة : القطعة من الزمان ، أي زمن كان من ليل أو نهار قال تعالى : وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ « 4 » وذلك كناية عن احتضار الموتى وهو لا يختص بليل ولا نهار وأما في العرف فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
--> ( 1 ) البيت للشماخ . انظر ديوانه ( 109 ) ، وانظر الكتاب ( 1 / 177 ) ، المخصص ( 3 / 37 ) ، الكامل ( 113 ) ، الخزانة ( 2 / 172 ) ، مجالس ثعلب ( 1 / 126 ) ، ونسب إلى جبار بن جزء بن ضرار وهو ابن أخي الشماخ والشاهد فيه : إضافة « طباخ » إلى « ساعات » على تشبيهه بالمفعول به لا على أنه ظرف ، وعلى ذلك يعد « ذاد الكسل » مفعولا ثانيا . ( 2 ) سورة سبأ ، آية ( 33 ) . ( 3 ) لم أهتد لقائله وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 161 ) ، المقتضب ( 4 / 331 ) ، المحتسب ( 2 / 184 ) ، الكامل ( 3 / 410 ) ، البحر ( 4 / 315 ) ، ونسبه المبرد من الكامل ( 700 ) إلى رجل من أهل البحرين من اللصوص والشاهد فيه : المجاز في جعل النهار من سلسلة ، وإنما السجين هو المجعول فيها . ( 4 ) سورة القيامة ، آية ( 29 - 30 ) .